جمعية التوحد في اللاذقية

تالة ...نحبّك كثيراً  

 بقلم -  لينا صلاح خضّور

قررت أن أسميها تالا إن كانت بنتًا. فقد قيل لي إن تالا هي النخلة الصغيرة، هي ابنة لينا النخلة الكبيرة في الطليعة. وشعرت منذ ذاك اليوم أني حامل استثنائية!

فقد كانت بنتًا وأسميتها تالا.. تالا الرائعة صاحبة أحلى عينين في العالم. لم أكن أعلم ما الذي تخبئه لي الأيام مع تالا الغالية، لم أكن أعلم أن تلك العيون ستكون كل اللغة وكل التواصل ما بيننا وبين تالا. لم أكن أعلم أن الله خلقها بكل هذا الجمال ليكون فيها كل هذا الإحساس!
تالا تضحك تالا تبكي.. تالا تحكي تالا تكبر.. صار عمرها ثلاث سنوات وهي كما الوردة الرائعة. صار عمرها ثلاث سنوات كل ما فيها يحكي نغمًا ودلعًا ودلالاً. صار عمرها ثلاث سنوات ويجب أن تذهب تالا إلى المدرسة كما البنات. كم بكيت! كيف ستتركني حبيبة القلب عصفورة المنزل لتذهب إلى الروضة؟ ولكن هذا ما يجب أن يكون. لم أكن أعلم أن تلك الدموع لن يكون لها نهاية.
بعد مرور أسبوع واحد من التحاقها بالروضة استدعتني الإدارة لتقول لي إن تالا مختلفة عن أقرانها، وأنها لا تستجيب ولا تتعامل بصورة صحيحة مع من حولها. فوجئت ورفضت وطلبت مراقبة ابنتي من بعيد.
فعلاً رأيتها.. رأيت تالا كما العصفورة تتحرك بين طاولات الصف الصغير بدون هدف، ودون أن يلفت نظرها ما تقوم به قريناتها. تتحرك وتقوم بحركات متتالية لا تفسير لها!
طلبت فرصة.. ربما تالا لم تتأقلم بعد. وبدأت بفحوصات طبية لأثبت أن ابنتي لا تعاني ضعف سمع أو ما شابه. وبدأت دوامة ربما لغاية الآن لم تنته! أثبتت كل الفحوصات أن تالا لا تعاني أي مرض عضوي وتم التشخيص على أنها حالة توحد!
«
توحد» كم هي كلمة غريبة! وبدأت أسأل من مكان إلى آخر ومن عيادة لأخرى ومن بلد لآخر ما هو «التوحد»؟ وما الحل؟ وكيف سيكون مصير ابنتي؟
الأيام تتسارع.. تصبح شهورًا، والشهور صارت سنوات. كانت البدايات صعبة ومريرة فيها الكثير من الحزن الكثير من الألم الكثير من الإحباط الكثير، الكثير من الدموع.. لا أحد في مجتمعنا يعرف ما هو «التوحد» لا أحد يعترف بهؤلاء الأطفال.. لا شيء لهم لا مراكز لا مدارس لا شيء سوى المزيد من «الإحباط»!
قرأت الكثير من الكتب.. شاهدت الأفلام.. ترجمت المقالات لأفهم كيف لي أن أستمر بالتواصل مع الغالية تالا التي مرت هي أيضًا بحالات صعبة. وكنا كلما انتظمنا بمدرسة رفضنا بعد فترة قصيرة لأن ابنتي لديها حالة «توحد»، ولا أحد يعرف كيف يتعامل معها.
أثناء كل هذا غابت الضحكة التي أحب، غابت الكلمات الرائعة وتاهت النظرات وتالا لم تعد تالا!
بعد مرور سنوات من التخبط والألم وكثير من التشخيص بين عيادات الأطباء، كان القبول مفتاح الفرج.. إنه القبول بما قسمه الله لنا واعتباره تميزًا للعائلة مفتاحًا لحلول كثيرة ضمن الأسرة التي تآزرت من أجل تالا وعيون تالا. سمعنا عن مركز خاص ولجأنا إليه، مركز صغير بحالات معدودة.. مركز يكاد يكون مجهولاً، إذ لا أحد يعلم بوجوده سوى الطبيب المشرف على الحالات وبعض الأهالي الذين أضناهم البحث.
حلمت أن يكون لتالا ورفاقها مركز كبير، حلمت أن تذهب تالا إلى مكان معترف به من المجتمع والدولة، وليعلم الجميع ما هو «التوحد»، وبأنه مرض صعب فيه ضعف تواصل مع المجتمع على كافة الأصعدة، وأن علينا مساعدة هذه الحالات بالدمج مع مجتمعهم بشكل أمثل.
حلمت كثيرًا إلى أن تجمعنا حول فكرة كانت هدفي وحلمي نحن أهالي هؤلاء الأطفال الرائعين، تجمعنا لنطالب بحقوقهم من خلال السعي لتحقيق ما نأمل به من إنشاء مراكز وتوعية ومساعدة، وبكل ما أعطانا الله من إصرار وتصميم.. كانت الفكرة.. والفكرة صارت مشروعًا فكانت «الجمعية السورية للتوحد». وها نحن نعمل ونحاول أن نحدث مراكز جديدة لاحتواء حالات أكثر. وها هي تالا تكبر. تالا صارت صبية حلوة عمرها 15 عامًا وهي رائعة ومتواصلة معنا، تذهب إلى المركز يوميًا.. تلعب مع أبيها كرة القدم.. تتدلع عليّ.. تتواصل مع أخيها.. وتحكي معنا كل الكلام وأحلى الكلام بعينيها الرائعتين.
بشرى وسارة أختان لتالا أعرف أن بانتظارهما مهام كثيرة.. وكلي ثقة بأنهما ستكونان على قدر عال من المسؤولية والحب والحنان.
المجتمع بدأ يتقبل أكثر، لكننا لا نزال في بداية الطريق بالنسبة للوعي بشأن التعامل مع الإعاقات المختلفة، وما زال مجتمعنا بحاجة للكثير. فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة. وها قد بدأنا.
لا أنكر أن المستقبل ما زال غامضًا ولكن أمام الأمل.. أمام الإصرار لا شيء يقف. ولن ننسى أبدًا أن الشمس تشرق كل يوم.
تالا أحبك كثيرًا... نحبك كثيرًا